محمد بن جرير الطبري
212
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وينصرف ، ففعل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني أبو صخر ، قال : ثني أبو معاوية البجلي ، عن سعيد بن جبير أنه قال : كانت هذه الآية ، يعني قوله : فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ يوم الحديبية ، أتاه جبريل عليه السلام فقال : انحر وارجع ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخطب خطبة الفطر والنحر ، ثم ركع ركعتين ، ثم انصرف إلى البدن فنحرها ، فذلك حين يقول : فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ وقال آخرون : بل معنى ذلك : فصل وادع ربك وسله . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن أبي سنان ، عن ثابت ، عن الضحاك فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ قال : صل لربك وسل . وكان بعض أهل العربية يتأول قوله : وَانْحَرْ واستقبل القبلة بنحرك . وذكر أنه سمع بعض العرب يقول : منازلهم تتناحر : أي هذا بنحر هذا : أي قبالته . وذكر أن بعض بني أسد أنشده : أبا حكم هل أنت عم مجالد * وسيد أهل الأبطح المتناحر أي ينحر بعضه بعضا . وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب : قول من قال : معنى ذلك : فاجعل صلاتك كلها لربك خالصا دون ما سواه من الأنداد والآلهة ، وكذلك نحرك اجعله له دون الأوثان ، شكرا له على ما أعطاك من الكرامة والخير الذي لا كفء له ، وخصك به ، من إعطائه إياك الكوثر . وإنما قلت : ذلك أولى الأقوال بالصواب في ذلك ، لأن الله جل ثناؤه أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بما أكرمه به من عطيته وكرامته ، وإنعامه عليه بالكوثر ، ثم أتبع ذلك قوله : فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ، فكان معلوما بذلك أنه خصه بالصلاة له ، والنحر على الشكر له ، على ما أعلمه من النعمة التي أنعمها عليه ، بإعطائه إياه الكوثر ، فلم يكن لخصوص بعض الصلاة بذلك دون بعض ، وبعض النحر دون بعض ، وجه ، إذ كان حثا على الشكر على النعم . فتأويل الكلام إذن : إنا أعطيناك يا محمد الكوثر ، إنعاما منا عليك به ، وتكرمة منا لك ، فأخلص لربك العبادة ، وأفرد له صلاتك ونسكك ، خلافا لما يفعله من كفر به ، وعبد غيره ، ونحر للأوثان . وقوله : إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ يعني بقوله جل ثناؤه : إِنَّ شانِئَكَ إن مبغضك يا محمد وعدوك هُوَ الْأَبْتَرُ يعني بالأبتر : الأقل والأذل المنقطع دابره ، الذي لا عقب له . واختلف أهل التأويل في المعني بذلك ، فقال بعضهم : عني به العاص بن وائل السهمي . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ يقول : عدوك . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ قال : هو العاص بن وائل . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن هلال بن خباب ، قال : سمعت سعيد بن جبير يقول : إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ قال : هو العاص بن وائل . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن هلال ، قال : سألت سعيد بن جبير ، عن قوله : إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ قال : عدوك العاص بن وائل انبتر من قومه . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ قال : العاص بن وائل ، قال : أنا شانئ محمد ، ومن شنأه الناس فهو الأبتر . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ قال : هو العاص بن وائل ، قال : أنا شانئ محمدا ، وهو أبتر ، ليس له عقب ، قال الله : إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ قال قتادة : الأبتر : الحقير الدقيق الذليل . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ هذا العاص بن وائل ، بلغنا